ارحمونا من… «ثورة الفلاحين»!

وسام كنعان – اندلعت ثورة الفلاحين في لبنان على أثر فتنة 1960وجاءت تتويجاً لها بحسب ما تفيد بعض المراجع التاريخية. حتى إنها أفرزت قيادات دخلت أسماؤها التاريخ وما زالت تعرف حتى اليوم. طبعاً الحديث عن هذا الموضوع في الدراما التلفزيونية يحتاج إلى عملية بحثية عميقة، وتوثيق تاريخي، وخلق أحداث ووضعها في سياق سليم، من دون تشويه ولا إساءة. الموضوع يتطلب سيناريست ماهراً ودقيقاً، لا «كاتباً بالكيلو» كما يحصل مع كلوديا مرشليان التي احتفلت منذ سنوات بإنجاز مسلسلها الخمسين! ويمكن للجمهور أن يلحق خبر إنجازها المسلسل رقم 100 طالما أنها تتعاطى مع الأمر باستخفاف، لا يخرج عن نطاق الثرثرة المكرورة والحشو، والمجافاة التامة لأي بعد توثيقي. هذا بالضبط ما تفعله في مسلسل «ثورة الفلاحين» (كتابتها وإخراج فيليب أسمر ـــ بطولة: باسم مغنية، تقلا شمعون، ورد الخال، سارة أبي كنعان، إيميه صيّاح، كارلوس عازار، فادي إبراهيم ـــ إنتاج «إيغل فيلمز»/ جمال سنّان) الذي انطلق عرضه قبل أسابيع على lbci. محاولة واضحة لتسطيح قضية فارقة في تاريخ لبنان، وتسخيفها من خلال سلخها بالمطلق عن سياقها التاريخي بذريعة أن الدراما اللبنانية ترتعد خوفاً من الدخول في أي قضية حساسة، إلى درجة أننا لم نسمع حتى الآن بمسلسل واحد يسمي شخصياته بشكل واقعي، بحيث تكون دلالات هذه الأسماء كما في الحياة العادية، أي طائفية ومذهبية وهي الحاكمة الفعلية بأمر لبنان! فكيف يمكن أن نشاهد مسلسلاً يروي ثورة الفلاحين على خلفية نزاع شهير بين «الموارنة» و«الدروز»؟ سنشاهد في المسلسل اللبناني اجتراراً مشوهاً لما قدّمته الدراما السورية قبل عشرين عاماً في «الثريا» (نهاد سيريس وهيثم حقي 1998). وعلى رغم الفارق الزمني الهائل بين العملين، إلا أن المسلسل السوري قدّم وجبة حيوية ونضجاً وتصعيداً درامياً حقق فيه نجاحاً لا يمحى. أما في «ثورة الفلاحين»، فسنكتشف ـ منذ حلقاته الأولى ـــ عشوائية في الطرح، وافتراضية في الفكرة، وتقديمها منزوعة بالكامل من أي مرجعية تاريخية. هكذا، نتابع عائلة إقطاعية تمعن في ظلم الفلاحين، فيما يبدأ المغلوب على أمرهم بالسير مرغمين نحو انفجار محتم في وجه الظلم. الفكرة تبقى ولّادة وتحتمل عشرات الأعمال الدرامية، وقد كانت منطلقاً لأعمال سينمائية عالمية، لكنّها وفقاً للمنطق اللبناني ستغرق كما كان متوقعاً في مخزون الإنشائية والمباشرة والحشو الطائل. سنكون أمام مشاهد تعيد الحوار نفسه من دون تطوير ولا تصعيد، كما أن التعبير سيكتفي بالمباشرة والإنشاء المفرط، باعتبار أننا نشاهد عملاً عن ثورة عبيد ضد أسيادهم، فحتماً سنسمع في الحلقة الواحدة عشرات الحوارات التي تردد البديهيات وتدور حول فكرة واحدة تفيد بأن الإنسان ولد حرّاً ولا يمكن استعباده! مشاهد طويلة جداً من دون أي معنى لوقتها الطويل وبطريقة تخلق الملل من تحت أظافر المشاهد! الإيقاع النصي الرتيب تواكبه عدسة مخرج متساهل قرر أن يسير على الخطى ذاتها للورق. هكذا، شغّل كاميرته وترك ممثليه يقولون حواراتهم من دون أي محاولة لإضافة وعي بصري على النص، أو محاولة تحريره بمنطق الصورة، وتخليصه من ركاكته، وحرف مسيرته عن الطريق الوعر والمتعب، الذي لا يمكن له إلا أن ينهك المشاهد. الإخراج فضّل البحث عن حقول القمح والطبيعة الخلابة والقصور المعدة بشمعدانات ضخمة وتجهيزها كأماكن للتصوير، معتقداً بأن الصورة الشكلية الجمالية هي التي تخلق فعلاً وعمقاً للدراما مهما كانت في جوهرها كسيحة لا تعرف كيف تقبض على اهتمام فعلي من المتفرّج. كذلك صرف معظم اهتمامه للشكل الخارجي للممثلين وإيحاءاتهم الأدائية البرّانية، واعتمد نسخة نهائية مثقلة بالكلاسيكية والتقليدية، والأجواء الثقيلة الخانقة والمعتمة، حتى على مستوى العناصر الفنية، من دون أي محاولة للاجتهاد أو تطويعها لمصلحة المادة الدرامية الأساسية.

 

هكذا، صارت مشاهدة حلقة واحدة بشكل فعلي تحتاج جهداً يعادل حفر نفق طويل في أرض صخرية، بسبب اللغة والمنطق الدرامي الذي اختاره صنّاع العمل. طبعاً التلفزيون يحتمل أعمالاً مكسيكية معرّبة، كما أن صناعة بعض قصص الحب المفتعلة، والتقاط نماذج افتراضية وتقديمها في مسلسلات قد تجد لها شريحة من الجمهور، لكن الأعمال التاريخية ذات الطابع الوثائقي بشكل من الأشكال، تحتاج إلى جهد أعمق مما يمتلكه صنّاع «ثورة الفلاحين»، بخاصة أن العمل ينطلق حكائياً وبصرياً من خلال حلول جاهزة ومستهلكة لا تخرج من ثوب «الكليشيه» ويروح نحو اجترار آلاف الحكايات المعلبة عن المجتمعات الشبيهة بدءاً من عائلة تحكمها مجموعة من «البكوات» تتوزع بين فريق ميّال للخير والمحبة والتعايش السلمي مع الفلاحين، مروراً بفريق آخر يريد الضرب بيد من حديد للجم أي تمرد أو عصيان، وصولاً إلى عائلة بطلها شاب أسمر تنضح الحرية من عينيه وتفيض طموحاته بنظريات ثورية. «ثورجي» سيكون هو المخلّص من الآلام، بخاصة أنه يعلق بقصة حب مع فتاة جميلة تهرب من دعوتها للخدمة في القصر أي المكان الذي يعج بشخصيات تلاحقها العقد وفق تراتبية مكشوفة ينقصها كل عوامل الدهشة والمفاجأة والتشويق اللازم! وليكتمل عقد الانحدار في العمل الذي يظنّ منتجوه بأنه ثورة في عالم الدراما، فقد قدّمت المادة من دون حالة بحثية حقيقية عن شكل الحياة آنذاك، والملابس التي كان يرتديها الإقطاعيون والفلاحون، وتسريحة الشعر، والهيئة الشكلية، فبدت شخصيات المسلسل اللبناني هجينة لا تولّف بينه روح واحدة وهوية واضحة، إلى درجة أن الأزياء والماكياج لدى بعض الشخصيات تحاكي القرن السادس عشر في فرنسا من دون معرفة الحجة المقنعة أو المنطقية من وراء ذلك، إلا إذا كنا أمام فانتازيا مبتكرة عاشت شخصياتها في زمن ومكان متخيلين ليست لهما علاقة بكوكب الأرض!

 

وسط كل ذلك الخواء، تلمع ملامح إيجابية نتيجة محاولات فردية للعب خارج السياق، في السوية الأدائية لبعض الممثلين ومحاولاتهم تصدير الانفعالات النفسية والتباين الذاتي الذي يغلب على شخصياتهم من خلال أداء داخلي سليم لا تشوبه ادعاءات مبالغة. لكن النتيجة المبدئية من «ثورة الفلاحين» حتى الآن تفيد بأن الشغل بالمنطق نفسه الموارب للحقائق والمجافي للواقع، لا يخوّل هذه الصناعة المتواضعة الذهاب أبعد من أعمال أميركا اللاتينية المعربة! وهو نوع ينتظره جمهور وتشتريه بعض المحطّات!

* «ثورة الفلاحين»: من الأحد إلى الخميس بعد نشرة الأخبار المسائية على lbci