سينمائي مشغول بالماضي والراهن «المفخّخ»

علي وجيه- حان وقت أخذ مسافة حقيقيّة من أمور كثيرة، بهدف تقييمها وإبداء رأي هادئ في صيرورتها. ضمن هذا التطوّر الفيلموغرافي، يمكن وضع «غود مورنينغ» (2018، 87 د.) لبهيج حجيج… الروائي الثالث للسينمائي اللبناني الآتي من جيل مارون بغدادي وبرهان علويّة وسمير حبشي وجان شمعون وغيرهم، بعد كلّ من «زنّار النّار» (2004، 90 د.)، و«شتّي يا دني» (2010، 98 د.).. القادم من خلفيّة أكاديميّة موزّعة بين الفلسفة والمسرح في بيروت، والسينما في باريس، والتدريس في معهد الفنون في الجامعة اللبنانية. اشتبك باكراً بالحرب الشنيعة التي شهدتها بلاده. ليس بشكل مباشر، وإنّما من خلال مساءلة آثارها ومخلّفاتها على البشر والحجر، على النفوس والعقول. عن فوضى الثمانينات المتسمة بعبث لا يصدّق، قام بأفلمة رواية «المستبد» لرشيد الضعيف وفق رؤيته الخاصّة، ليكون في طليعة مقتبسين قلائل للأدب في السينما اللبنانيّة. «زنّار النّار» بداية صخب وقهر. راح يتعاظم داخل أفراد وشرائح ومكلومين، تزامناً مع اتخاذه ظاهراً أهدأ في العناوين اللاحقة. «مخطوفون» (1998، 51 د. – تمّ تصويره عام 1988) وثائقي مؤلم. وضع الملف الشائك لمخطوفي الحرب على الطاولة بكلّ مرارته. أتبعه حجيج بروائي «شتي يا دني» عن عودة أحدهم إلى عائلته، إلا أنّه رجوع شبحي، مشوّه، مثقل بالفصام والبارانويا والرهاب والهلع. تشوّش شبيه ببلد كامل خارج من أتون جحيم، تمّ الإعلان شكلياً عن انتهائه عام 1990. بعده، انطلق عمل ممنهج لمحو الذاكرة، من خلال تجاهل الفظائع، وكنس المكنون تحت بساط التناسي والادّعاء، وتجميل المدينة بفقاعات معماريّة خاوية.

 

الذاكرة والعمارة (نفساً وحجراً) تيمة دائمة في سينما بهيج حجيج، بشقيها الروائي والوثائقي (لنذكر «الخط الأخضر» 1987، و«بيروت، حوار الأنقاض» 1993). لا مانشيتات فاقعة. انسياب من منظور أفراد يعبّرون سلوكاً وحواراً وألماً وبكاءً وصراخاً وحتى هذياناً. هناك حرص على أسلوبيّات وجماليّات خاصّة بكلّ عمل. انطلاقاً من كل ما سبق، يصل حجيج إلى مرحلة متقدّمة من الهدوء وأخذ مسافة زمنيّة ومكانيّة، بعيداً عن أيّ توتر في المعالجة وحتى حركة الكاميرا (بالمناسبة، هذا ما تنحو إليه أفلام الحرب السوريّة اليوم أيضاً). في «غود مورنينغ» يعود حجيج إلى أدب رشيد الضعيف ثانيّةً. ينجز معه السيناريو، عن قصّة لهذا الأخير. عجوزان ثمانينيّان (غابريال يمين وعادل شاهين الذي رحل بعد تصوير الشريط)، يجلسان في أحد المقاهي المطلّة على شارع مفعم بالحياة. حل الكلمات المتقاطعة «مهنة» يوميّة، للحفاظ على ذاكرة وهدف. المشهد التأسيسي يفتح على علاقتهما ببعضهما، بالمحيط، بالخارج. ثمّة صحافي في جريدة إلكترونيّة، ونادلة تبادله الإعجاب (مايا داغر). عالم صغير يحقق شروطاً صحيّةً للتقييم والتحليل واستحضار الذكريات قبل البدء بخسارتها. مسنّان شهدا الكثير خلال مشوارهما، اكتسبا خبرةً وحكمة. فاصل زجاجي عن خارج زاخر بتفاصيل، وتقلّبات، وسيّارات مفخّخة، وانتحاريين، وحروب مجاورة، وموضة، وتقليعات، ومظاهر اجتماعيّة. نشرات أخبار تبثّ الكثير كذلك. الاجتماعي لا ينفصل عن السياسي واليومي المعاش، مروراً بما بينهما.

الماضي رحل بالنسبة للجنرال والطبيب. ما بقي منه يتلاشى من صحف ورقيّة، وأبنية قديمة، وحتى روح النكتة. لكلّ جلسة أغنية وناس وعنوان ذو إحالة: «نحنا زمطنا»، «ليت الشباب يعود يوماً»، «حبّيتك يا بنت بيروت»… فصول حواريّة هادئة. رتابة مقصودة. تهكّم ينبئ باحتقان داخليّ متراكم، مروّض بالطرافة والحكمة. مانيفستو رزين عن منطقة وبلدان مثل سوريا واليمن وليبيا، انطلاقاً من لبنان الذي ما زال يكابد آثار حقبة مريرة. بيان أخير لبشر لم يعد بوسعهم سوى المراقبة والتلقي والشهادة (المغزى الأهم). رد الفعل هنا أهم من الفعل نفسه. الشريط بمجمله بسيط. لا يدّعي غير ذلك. يحقق توازناً بين اشتغال فنيّ وحرص جماهيري، ضمن فرضيّة المكان الواحد. حجيج يدير ممثّليه بما يناسب. يقدّم ظهوراً خاصّاً بنفسه. كلهم يبدون بحال جيّد ومضبوط. كاميرا ميلاد طوق، وتوليف حسين يونس، وموسيقى وسام حجيج، عناصر تكمّل شريطاً أنيقاً نجح في تحقيق الغرض منه.