in

أوبل 245

أوبل 245

منذ جلوسي على مقاعد الدراسة الأولى، وخضوعي للامتحانات العلمية والعملية، دائماً ما كنتُ أبدأ بالإجابة عن الأسئلة الأكثر صعوبة، وبعدها أتفرغ للأقل صعوبة، فالأقل والأقل، ولم أدرك حينها أن تلك العادة، سلبية كانت أم إيجابية، ستسري معي طيلة حياتي، وتستحوذ على كل عمل أقوم به، فعندما طرقتُ أبواب القارة الأفريقية قبل عقد من الزمان، بدأت بدولها الأكثر إثارة، وأعمقها غموضاً، وأدقها تعقيداً، وأخصبها عنفاً، وأصدقها جدلاً، فكانت نيجيريا، أو كما أطلقتُ عليها لاحقاً، دولة العدل الظالم.

فمن يقيم في نيجيريا ردحاً من الزمن، لا بد أن يخرج منها حاملاً إرثاً ثقافياً فريداً من نوعه، إرثاً لا يكتفي فيه المرء بتغيير آرائه السابقة حول ما كان يعتقده، بل يقوده ذاك الإرث إلى إيجاد الأسباب التي ستكون منطقية، لتبرير صحة أو خطأ معتقد كان يراه قديماً أنه ثابت، وكل ذلك يتم وهو على قناعة تامة ببديهيته.

تناقلت وكالات الأنباء الأفريقية قبل أيام قليلة، خبر إعادة اتهام الرئيس النيجيري السابق جودلاك جوناثان، بخرق قوانين البلاد، والحصول على مبلغ تجاوز مليار دولار، مقابل موافقته على إعطاء حقوق التنقيب عن النفط في أهم وأكبر حقل نفطي في أفريقيا، المسمى بــ (أوبل 245)، لشركة رويال داتش شل الأنغلو هولندية، وشركة إيني الإيطالية، وأكدت منظمة غلوبال ويتنسس، أن تلك الصفقة التي أبرمها الرئيس السابق، أدت إلى حرمان نيجيريا من عائدات مستقبلية تقدر بستة مليارات دولار، والتي تعادل ضعف ميزانية الصحة والتعليم السنوية في أبوجا، فوصمت تلك الصفقة بأنها أكبر صفقة فساد في تاريخ الشركات النفطية.

يعود الصراع على حقل «أوبل 245»، إلى تسعينيات القرن الماضي، عندما منحت حكومة الرئيس الأسبق، ساني أباتشا، حقوق التنقيب عن النفط لشركة نيجيرية تسمى مالابو للنفط والغاز، المملوكة لنجل الرئيس محمد ساني، ووزير النفط الأسبق دان أتيتي، وكان من المفترض أن تدفع شركة مالابو للحكومة عشرين مليون دولار، مقابل الترخيص الذي مُنح لها، إلا أنها لم تدفع إلا مليوني دولار، وذلك وفقاً لوثائق المحكمة، وبعد وصول الرئيس أولوسيجون أوباسانجو للسلطة، ألغى ملكية مالابو، وأعاد حقل أوبل 245 للحكومة، وفي عام 2011، بدأت عملية الاستحواذ على حقل أوبل النفطي، عندما أبرمت شركة شل وشركة النفط الإيطالية إيني، صفقة اشترك فيها مسؤولون نيجيريون، والذين كانوا يعلمون بأن تلك الصفقة لم تكن عقد مشاركة في الإنتاج مع الحكومة النيجيرية، وبالرغم من ذلك أمضوا قدماً في تحقيقها، وعند تعقب سير تلك الصفقة، اتضح أنها كانت صفقة خاصة، دون علم المؤسسات الرسمية النيجيرية، والأموال تم إرسالها، وذلك حسب اعترافات وسطاء الصفقة، الذين حكم عليهم مؤخراً بعقوبة تصل إلى أربع سنوات، في محكمة إيطالية بميلانو، وهي ذات المحكمة التي وقف أمامها الرئيس التنفيذي لشركة شل وإيني في ديسمبر عام 2018، وأكدت أن هناك مبلغاً مالياً ضخماً تم تحويله إلى الرئيس النيجيري السابق جودلاك جوناثان ومسؤولين حكوميين نيجيريين، وبالتالي، فإن الشركتين كانتا على علم تام بأن هذه الأموال ستستخدم كمُقابل لشخصيات كان لها دور في نجاح شل وإيني في الحصول على حقل أوبل، وبالتالي، هذا يؤكد اتفاقهما على تدمير الدولة النيجيرية.

تجرى حالياً محاكمة اثنين من عمالقة النفط في العالم، في أكبر قضية فساد للشركات، وقد تواجه الشركتان عقوبات، وتُجبر على تسليم أهم الحقول النفطية الواعدة في أفريقيا، وإذا تم مُحاسبة المسؤولين عن ذلك، فحسب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فإن ذلك سيساعد على إنهاء الصفقات المشبوهة، التي تسمح للسياسيين الفاسدين والشركات الدولية، بسلب البلدان النامية مواردها الطبيعية، ومن جانبها، أوصت المحكمة الاتحادية العليا، بنقل السيطرة على حقل أوبل 245 إلى الحكومة النيجيرية الاتحادية، وأوصت بإلغاء تلك الصفقة، وأكدت أن الحقل يحتوي على احتياطي نفطي لا يقل عن تسعة مليارات برميل غير مُستغل، في بلد توجد به أعلى معدلات فقر في العالم، وتم بيعه بثمن بخس.

إن المتخصص في الشأن الأفريقي، يعلم تماماً أن قطاع الغاز والتعدين، يُعتبر هو القطاع الأكثر فساداً في أفريقيا، وذلك وفقاً لدراسات قدمتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في باريس، والتي تؤكد أن تورط الإدارات العليا في ذلك، غالباً ما يكون هو السبب في تدهور التنمية بالمجمل، ويبقى السؤال هنا، هل ستوقف أبوجا عمل شركة شل وإيني؟، وهل سيعوق ذلك تطور حقل أوبل 245، مع الأخذ بعين الاعتبار، أن نيجيريا دولة يمثل فيها النفط تسعين في المئة من عائدات النقد الأجنبي، أم أن القول المأثور في صناعة النفط القائل بأن «الوديع يرثُ الأرض، ولكن لا يرث الحقوق المعدنية»، سيكون هو السائد!