in

اجازة محفوفة بالمخاطر – مراجعة فيلم “Spider-Man:Far From Home”

اجازة محفوفة بالمخاطر – مراجعة فيلم “Spider-Man:Far From Home”

“في كل مكانٍ أذهب إليه، أري وجهه،إنني أفتقده حقاً”

جملةٍ مختصرة تعبر عن شعور “بيتر باركر” الصغير تجاه فقدان معلمه “توني ستارك” وصاحب الفضل عليه فيما هو فيه، حتي وإن كان لا يزال يحتاج إلي مزيدٍ من الوقت لكي ينضج تماماً ويعي ما يتوجب عليه فعله وكونه  أحد أعضاء “الأفنجرز”- حماة الأرض الذين إستماتوا في القتال للحفاظ علي سلامة الكوكب ومجابهة أعدائه بكل ما أوتوا من عزيمةٍ وقوة.

فالوقت ذاته ، نجد أن “هابي هوجان” أحد أعوان “ستارك” المخلصين يؤكد ل”بيتر” بأن تضحية “توني” بنفسه لن تكون لها قيمة إذا لم يكن يعلم بوجود “بيتر” بدلاً منه بعد فراقه للدنيا.

وهنا مربط الفرس، “بيتر” عليه أن يدرك بأن إرث “توني ستارك” ثمين وعليه أن يثبت أنه جديرٌ به به،لذا لا بد له أن يوازن بين مصلحته الشخصية و واجباته تجاه العالم بأكمله، وأن لا يطلق العنان لسذاجته الطفولية بأن تفرض سيطرتها وتطفو علي شعوره بالمسؤولية ف”توني ستارك” يثق به ثقةً عمياء لكي يشغلَ مكانه ويؤمن بمقدرته علي صنع الفارق لنفسه ولمن سينظرون لهم علي أنه حاميهم من براثن الخطر.

لكن تكمن المعضلة في طريقة تفكير “بيتر” الحالية، كل ما يرغب به الآن قضاء إجازةٍ بصحبة أصدقائه بمختلف الدول الأوروبية ولم شمله ب”إم جاي” التي يحتدم حبه لها ويمني نفسه بالقرب منها!!!!!!

صدق أو لا تصدق!!!

العالم ما زال يرمم حطامه ويصلح ما انشطر فيه خلال كارثة “ثانوس” وإبادته الجماعية للبشر، وذلك الصبي لا يشغل باله الإ برغباته الشخصية وتمضية الوقت يلهو بصحبة أصدقائه.

ولأن القدر شاء ان يلقنه درساً قاسياً ينسيه من خلاله نزواته وتطلعاته الفردية، تجلي ذلك في صورة القائد “نيك فيوري” متدخلاً  في الوقت المناسب يأمره بالإنضمام إليه لمعاونة “كوينتين بيك” الملقب ب”ميستريو” للتصدي لهجمات وحوش الElementals وإنقاذ العالم من خطرٍ محقق.

الفيلم بمثابة “إستراحة محارب” ، والمقصد هنا بكونه لا يتمتع بذلك الزخم الهائل من الأحداث والمفاجأت التي إختزنت بسيناريو “ENDGAME”، وهذا لا يعني أنه لم يقدم ما يشفع له إدراجه ضمن  أفلام عالم “مارفل” السينمائي وكونه فصلا جديداً من فصول السلسلة، فالنصف الثاني منه علي وجه التحديد شهد تدفقٍ كبير في الأحداث علي مستوي التحولات التي طرأت علي بعض الشخصيات بجانب شراسة المعارك والمواجهات التي امتازت بجودة المؤثرات البصرية ودقة التنفيذ.

الكوميديا كانت حاضرةً وبقوة كعادة أفلام الMCU خصيصاً في النصف الأول ونابعة من كون بطلنا في سن المراهقة  والذي تدفعه عاطفته لخططٍ ساذجة لكي يلفت نظر “إم جي”، غير ذلك من تفاعله المستمر مع صديقه “نيد” الذي يتمتع هو الأخر بحسٍ فكاهي جعلته هو الأخر يتعرض لمفارقاتٍ عصيبةٍ عليه.

فبرغم من أنها تسببت في بطئ الإيقاع بعض الشئ وعيوبٍ ببعض مواقفها، إلا أنها كانت إحدي علامات الفيلم المضيئة وإيجابية من إيجابياته الكثيرة. 

المشكلة الأخري والأخيرة تمثلت في عدم الشرح الكافي لماضي شخصية “كوينتين بيك” رغم تقديمها المثالي وصياغة الأفكار الملائمة لها لكي تتناسب مع حجمها في عالم “سبايدر مان” كما يعرفه البعض في القصص المصورة، فعلي الرغم من إضافة عددٍ من التفاصيل التي تشكلت كعنصر مفاجأةٍ لمن يعرفوا تاريخ الشخصية ، الإ أن ذلك الشق بالتحديد عابه بعضٍ من التسرع وعدم التمهد في تقديم موادٍ إضافية لكي تكون الصورة الكامة عن “كوينتين بيك” وماهية هويته.

يحسب لأخطبوط عالم مارفل “كيفن فايجي” إعطائه الفرصة من جديد للمخرج “جون واتس” لقيادة دفة الفيلم عقب نجاحه الباهر ب”Homecoming”، وتجلي ذلك في:

1-تحري الدقة الازمة أثناء دمج بعض اللقطات بالمؤثرات البصرية نظراً لكثرة عددها وتناثرها داخل الفيلم

2-تحسين جودة الأزياء بما فيهم زي “سبايدر مان” المختلف نسبياً عن الجزء السابق وحلة “ميستريو” التي تشبه إلي حدٍ كبير ما توجد في الكوميكس

3-تعدد أماكن التصوير والإكتفاء بكون “نيويورك” مسرحاً ثابتاً لأحداث بعض أفلام الMCU

“توم هولاند” كالعادة يتفوق علي نفسه من جديد، ويوصم تماماً علي مقدرته في تقديم شخصية “سبايدر مان” في عددً اكبر من الأجزاء بدون حدوث أية توعٍ من الملل لدي الجمهور من مشاهدته أكثر من مرة، فهو الرجل العنكبوت المثالي بكل ما تحمله الكلمة من معني من حيث الكاريزما والحضور القوي والتناغم مع بقية زملائه، ناهيك عن خفة ظله  ووجهه الملئ بالبراعة والطيبة الزائدة.

التحدي الذي واجه “هولاند” هنا يتمثل في تدوير أدائه بين ثلاث جوانب مفصلية صاغهم السيناريو  كعناصر أساسية للحبكة وهم:

1- القدرة علي عكس مشاعره الخاصة جراء العبئ الزائد علي عتقه لتخليد ذكري “توني ستارك”

2-عكس شعور السذاجة المطلقة التي تتدفق في إنطباعته مع الناس من حوله

3-إظهار سلاسةٍ لينة وقت النضوج فكرياً مع مرور الأحداث والتعامل مع المواقف بشدةٍ وحزم

كل ذلك نجح فيه “هولاند” بإمتيازٍ يضعه علي مصاف النجوم الشباب الذين ينتظرهم مستقبلٍ كبير في الوقت الاحق.

“جيك جيلنهال”-الموهبة الفذة التي إعتلت سلم الإبداع سريعاً وحازت علي قلوب الجماهير التي باتت تتغني بإسمه منذ بداية ظهوره مطلع الألفية الجديدة، ها هو ينشد تحدياً أخر في عالٍم سينمائي ذو شعبيةٍ جارفة علي مستوي العالم، ولكن كعاداته السابقة -لا يخشي هول التجربة ولا يصعب عليه أية دورٍ مهما بلغ حجمه وتأثيره علي الفيلم برمته.

“ميستريو” هنا هو عصب الفيلم والشريط اللازق الذي يربط أجزاء القصة ببعضها البعض بجانب كونه غريب الأطوار في ناحية ومثير للريبة في ناحيةٍ أخري، ولا عجب أن من يتذكر دور “جيلنهال” في “Nightcrawler” يعي أنه يعشق تلك النوعية من الأدوار ويتألق بها تألقاً لافتاً للنظر، وهذا ما حدث بالفعل، ليوصم الجميع بالدرجة النهائية علي أوراق إعتماد “جيلنهال” ضمن قائمة نجوم الMCU المبدعين.

علي الجانب الأخر، نشهد تألق النجمة الشابة “زيندايا” هذه المرة بعكس “Homecoming” التي لم تظهر من خلاله بالشكل الكافي، و ساعد علي ذلك التناغم الشديد بينها وبين “توم هولاند” في لحظات الرومانسية المليئة بنسماتٍ كوميدية لا بأس بها بجانب محاولات السيناريو الجاهدة لإزالة الغبار شيئاً فشيئاً عن طباع “إم جي” وما يجول في خاطرها التي تعكس حالةٍ من المراهقة تمر بها الشخصية شأنها كشأن بقية زملائها.

“Spider-Man Far From Home” إثباتٍ بالدليل القاطع أن “سبايدر مان” في أيديٍ أمينة وأن “مارفل” قادرة علي جمع ما يلزم أملاً في ظهور الشخصية بالشكل الذي يليق بها سينمائياً علي نحوٍ مثالي يلب طموحات عشاق الرجل العنكبوتي بمختلف أعمارهم، لاسيما أنهم تركوا الجمهور في حالةٍ من الذهول التام عقب المشهد ما بعد التترات و الذي حمل معه الكثير من المفاجأت التي لم يكن لأحدٍ أن يتوقع حدوثها ،لكنه علي النقيض يعزز كون “مارفل” دائما ما تخفي أفكار مذهلة لعالمها السينمائي وتلقي بها في الوقت المناسب و علي نحوٍ مفاجئ.