in

المرأة الممنوعة من الكلام!

المرأة الممنوعة من الكلام!

تذكرت تجربة الروائية التركية «إليف شافاق» وأنا أقرأ رواية العمانية جوخة الحارثي «سيدات القمر» الحاصلة مؤخراً على جائزة مان بوكر، توقفت كثيراً عند تلك التفاصيل الدقيقة شديدة الخصوصية التي تتناول مرحلة ما بعد الولادة أو ما تسمى بمرحلة النفاس التي تعبرها جميع الأمهات، في هذه الفترة تكون المرأة في حالة شديدة من الضعف وانهيار المعنويات، ما يعني حاجتها الماسة للدعم والعناية الدقيقة بجميع شؤونها الصحية والنفسية حتى لا تسقط فريسة في قبضة اكتئاب ما بعد الولادة، لقد تناولت «شافاق» هذه القضية على طريقتها عندما سردت تجربتها الخاصة ما بعد الولادة في كتابها الشهير «حليب أسود»!

تذكر جوخة كيف تتعامل النساء التقليديات في عمان في هذا الشأن، وكيف يحلن السقوط في الاكتئاب إلى الجن والقوى الخفية، وكيف يقاومن ذلك عبر أساطير التعاطي مع الجنيات وتقديم مختلف أنواع الأطعمة لهن ليتركن الأم الوالدة في حالها!

بينما تعاطت جدة شافاق معها بشكل مختلف حينما رأتها تغرق في الحزن والبكاء، إذ بادرتها بقولها (طفلتي العزيزة عليك أن تستجمعي قواك، ألا تعرفين أن كل دمعة تذرفها الأم الجديدة تجعل حليبها أكثر حموضة؟!)، لقد استخدمت شافاق تعبير حليب أسود للدلالة على جفافها كأم غير قادرة على إرضاع طفلتها، وككاتبة غير قادرة كذلك على كتابة كلمة واحدة، هذا الاكتئاب جعلها جافة تماماً!

في التابو، أو المحظور أو المسكوت عنه الذي لم تفصح عنه الرواية الخليجية كاملاً بعد، هناك الكثير مما يتعلق بشؤون النساء في علاقتهن بذواتهن، أحوالهن العائلية والعاطفية وفي علاقتهن بالرجل، وهناك كثير غير ذلك مما لا يسمح لمعظم هؤلاء النساء في مجتمعات الشرق تحديداً بالبوح عنه أو الشكوى أو التعبير عنه ببساطة وبصوت عالٍ.

لذلك تظل المرأة لسنوات طويلة تسمع عبارات وإشارات التأنيب والأمر بأن تسكت ولا تقترب من تلك المنطقة، منطقة البوح، فذلك يجعلها غير مقبولة ومستهجنة، ويمكن أن تنعت بالكثير من النعوت الجارحة، فتفضل أن تخفي صوتها وتقمع المرأة الأخرى الواقعة تحت ضغط أعباء لا تحصى مفضلة الرضا الذي يمنحه المحيط على جوهر الراحة والانعتاق في التعبير!.